السيد محمد تقي المدرسي

212

من هدى القرآن

وأنها من رب العالمين بالذات ، فلم يقل الله : تنزيل من الله . . أو ما إلى ذلك من أسمائه الحسنى الأخرى . إن أصل كلمة « رَبِّ » من التربية بما تعني الكلمة من نماء وتزكية ولطف ، ورسالة الله هي أظهر آية على علاقة الرب الخالق بالمخلوق المربوب . لأنها وسيلة الله في تأديب خلقه وتربيتهم ، وطريقهم لكل خير ونماء وبركة إذا عملوا بها ، كما أنها علامة حنانه وتلطفه بهم . وننقل هنا بعض الأخبار التي وردت في شأن الآيات الأربع : ( 40 - 43 ) فيما يتصل بشأن نزولها عند المفسرين ، من ذلك ما رواه ابن إسحاق عن الوليد بن المغيرة ، وعن النضر بن الحارث ، وعن عتبة بن ربيعة ، وقد جاء في روايته عن الأول : ( ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم ، فقال لهم : يا معشر قريش ! إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ، فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل ، وأقم لنا رأيا نقل به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع ، قالوا : نقول : كاهن ، قال : لا والله ، ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ، قالوا : فنقول : شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر ، قالوا : فنقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : هو ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذَّروه إياه ، وذكروا لهم أمره . . . ] « 1 » . وحكي عن الثاني ( النضر بن الحارث ) قال : ( فقال : يا معشر قريش ! إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد . قد كان محمد فيكم غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر ، لا والله ، ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ، وقلتم : كاهن ! لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا سجعهم ، وقلتم : شاعر ! لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه ، وقلتم : مجنون ! لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه . يا معشر قريش ! فانظروا في شأنكم ، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم . . ] « 2 » .

--> ( 1 ) الدر المنثور : ج 4 ، ص 106 . ( 2 ) سيرة ابن هشام : ج 1 ، ص 194 ، عيون الأثر لابن سيد الناس : ج 2 ، ص 427 .